علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
19
الصداقة والصديق
وهكذا فإن رسالة الصداقة والصديق تعكس بعضا من التيارات الفكرية في عصر التوحيدي مما يكسبها بالإضافة إلى المتعة الأدبية قيمة وثائقية يجد فيها الباحثون معلومات تلقي الضوء على هذا العصر المغبّش بالظلام . أمّا تعبير الرسالة عن حياة صاحبها ونفسيته فقد عودنا التوحيدي في كل ما كتب أن يبرز الجانب الوجداني والعاطفي حتى في الموضوعات العلمية التي تلزم صاحبها التجرّد من عواطفه وميوله وتفرض عليه الموضوعية ، ومن البديهي أن يكون للتوحيدي في الصداقة والصديق وهو موضوع أملته عليه دوافع وجدانية وعاطفية ، مجال للتعبير عن نفسيته وظروف حياته وصلاته مع أهل زمانه ، والتنفيس عن ضيقه وكربه في ساعات الضّيق والحرج . وخاصة أن الرسالة لم تؤلف دفعة واحدة وفي فترة معينة بل امتدّ تأليفها - كما قلنا آنفا - طوال حياة مؤلفها ، ونحن واجدون فيها طائفة من الاعترافات والمعلومات والصور والعبارات والاستشهادات التي ترشدنا بمجموعها إلى استكشاف جوانب هذه الشخصية الغريبة . هذه عبارة تدلّ على الحالة التي ألّف بها التوحيدي رسالته : « ومن العجب والبديع أنّا كتبنا هذه الحروف على ما في النفس من الحرق ، والأسف ، والحسرة ، والغيظ ، والكمد ، والومد » ، « فقد أمسيت غريب الحال ، غريب اللفظ ، غريب النّحلة ، غريب الخلق ، مستأنسا بالوحشة ، قانعا بالوحدة ، معتادا للصمت ، مجتنفا على الحيرة ، محتملا الأذى ، يائسا من جميع من ترى » . وهذه عبارة أخرى يعبر فيها التوحيدي عن « مركّب النقص » الذي كان يخفي تحته عجزه وإخفاقه في الحصول على « طمرين للستر لا للتّجمّل » ، معبرا بذلك عن تبرّمه بالناس واحتقاره لهم : « واللّه لربما